لهذه الأسباب أحببتُ الحكومة اللبنانيّة الجديدة “من أوّل نظرة”!

المصدر: النهار

لم أحبّ حكومة لبنانية مثلما أحببت حكومة نجيب ميقاتي الثالثة.

أحببتها من رئيسها حتى وزير الشؤون الاجتماعية فيها.

ما إنْ صدرت مراسيم تشكيلها المبللَة بدموع سكبها أغنى أغنياء لبنان على مواطنيه الذين أصبحوا أفقر فقراء العالم، حتى تغيّر المزاج. كان أوّل إنجاز يُحسب لرئيس الحكومة، وقبل بدء احتساب “فترة السماح”، أنه أخذ دموعنا ووضعها في مقلتيه، وانتزع غصّتنا وزرعها في حنجرته، ورمانا رمياً في كوميديا لم نكن نحلم بأفضل منها.

بداية، لم أفهم وزير الإعلام جورج قرداحي، الآتي الى السياسة من عالم الاستعراض الترفيهي، بطلب من “حبيب القلب” بشّار الأسد، فاتح طرق سوريا المعبّدة بالجثث والدماء، أمام المازوت الإيراني والغاز المصري والكهرباء الأردنية، حين دعا وسائل الإعلام الى الامتناع عن استضافة من يصفون لبنان بجهنّم. أخذت معي هذه المسألة وقتاً طويلاً حتى فهمتها. “طلع معه حق” وأعتذر منه لامتعاضي السابق من “صرامته”، فلبنان، منذ صدور مراسيم تشكيل الحكومة، لم يعد جهنّمَ، لأنّه أصبح مسرحاً تُعرض على خشبته واحدة من أكثر المسرحيات الكوميدية نجاحاً.

كم هو محق قرداحي، إذ كيف يمكن أن يقهقه سكّان جهنّم؟!

إنّ على وزير الإعلام واجباً وطنياً، بأن “يكمل معروفه”، فيتصل بإدارات “تويتر” و”فايسبوك” و”إنستغرام” و”لينكد إن” و”يو تيوب” و”هاوس كلوب” وغيرها، لتلغي حسابات من يصفون لبنان، بعد اليوم، بجهنّم، فهؤلاء أخطر على الأمن القومي اللبناني مما كانه دونالد ترامب على الأمن القومي الأميركي، فكيف يعقل حذف حسابات الرئيس الأميركي السابق وإبقاء حسابات هؤلاء “التخريبيين والسفهاء والسخفاء”، على حالها؟

وبالفعل، منذ صدرت مراسيم الحكومة هلّ الخير على لبنان. الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله غيّر وظيفته، أصبح مستورداً للمازوت الإيراني، وتوسّعت مساحة لبنان فأصبح لديه مرفأ في سوريا، والليرة اللبنانية أضحت بترو ليرة. لقد أصبحت قادرة على استيراد النفط. رحم الله الشيخ بيار الجميّل، فهو كان سبّاقاً في رؤية القوة في الضعف، فها هي الليرة اللبنانية، في عزّ ضعفها، تظهر بديلاً من الدولار الذي يحتار الأورو الأوروبي والروبل الروسي واليوان الصيني، كيف تنقلب عليه وتحل على عرشه.

لا يهم ماذا يمكن أن تفعل إيران بالليرة. يمكن أن تقلبها دولارات في السوق السوداء، كما يمكنها أن تتركها لـ”حزب الله”، فبدل أن يرسل له “الحرس الثوري الإيراني” الدولارات التي تحتاج اليها إيران كثيراً في هذه الأيام، يترك له مردود المازوت.
أليس هذا خبراً سعيداً، يشبه الحلم بالاكتفاء الذاتي؟

والحالة هذه، كيف يُعقل أن يستمر البعض بوصف لبنان بجهنّم، وقد أصبح لـ”حزب الله” شركة نفطية، وأصبح للمازوت الإيراني زبون جديد، وها هي “المهرجانات العفوية” تتحضّر، ليل نهار، للاحتفال بتدفق المازوت الإيراني، بما يفوق، أضعافاً مضاعفة، “الاستقبال الحربي” لوزير الأشغال العامة علي حمية الذي ما إنْ ناداه وطنه الأم حتى تخلّى عن ورشة تحديث فرنسا!

وهذه اللفتة المازوتية لا قيمة لها أمام دروس وزير الشؤون الاجتماعية هكتور الذي نخشى عليه جميعاً من بطش “أخيل”، على أعتاب طروادة التي ستسقطها خدعة “أوليس” بعدما صوّرت الحصان الخشبي الضخم كما لو كان هدية مملوءة قمحاً يقدّمها المحاصِر الطيّب للمحاصَر الجائع.

لقد وجد هكتور حلّاً للأزمة الاجتماعية الخانقة، حتى قبل أن يتسلّم وزارته، وذلك بطرحه بدائل للاستهلاك المكلف للحفاضات والمحارم الورقية وعدم شرب الماء مباشرة من “الحنفية”. لا، هكتور حجار لا يذكّرني، مطلقاً، بالوزير عصام نعمان الذي أكل والوزراء سندويشات اللبنة والجبنة، عندما اجتمعت لجنة البيان الوزاري لحكومة الرئيس سليم الحص، في بداية عهد الرئيس السابق إميل لحود الذي سوف يحضر في بالنا – يا لها من نعمة – كلّما طلّ علينا وزير الدفاع موريس سليم.

لا، لا يذكّرني هكتور بعصام، لأنّ هكتور هو امتداد لفئة المبدعين الذين يزرعون شرفات المنازل خضاراً، ويربّون فيها طيور الفرّي ليأكلوا لحماً وبيضاً، ويفتحون الحسابات مع “الطليان” لاسترداد وديعة الأمير فخر الدين في “توسكانا” مع فوائدها المتراكمة، ويكشفون السر الأميركي الذي وقف وراء اختيار “العم سام” لمدينتي هيروشيما وناكازاكي لرمي القنبلتين الذريتين قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويحتسبون المسؤولية الجنائية لرئيس الجمهورية عن انفجار المرفأ، على آلة حاسبة بمعادلات النسبية. ويحك يا آينشتاين، أين أنت من هؤلاء؟

بالفعل، أينما جلت في رحاب هذه الحكومة، تجد نفسك غارقاً في القهقهة.

والقهقهة أرهقتني. أنا، للحقيقة، لست مضطراً أن أتألّم من “طقطقة خواصري”، لذلك،

وجدت نفسي أتلقف أبعاد إعجاب وزير الاقتصاد أمين سلام بـ”الضفدع الأصم”،

فألغيت مؤقتاً تطبيق “واتس آب” – بطل ثورة 17 تشرين الأول 2019 –

وامتنعت عن قراءة التغريدات في “تويتر” والمنشورات في “فايسبوك”.
يا سلام، كم ارتاحت خواصري، عندما “درت دينتي الطرشا”!

إنّ تأويلي لقصة “الضفدع الأصم” أفسح لي وقتاً وافياً لفعل أيّ شيء أريده أو أهواه،

لكن لم تجذبني إلّا الحكومة الجديدة التي شكّلها “القدماء”.
لقد بدوتُ مهووساً بمعرفة الطريقة التي مكّنت عتاة سياسيي لبنان من تجميع هذا الرهط من الوزراء.
بعد طول تفكير وكثرة تحريات “نقشت معي”.

إنّ قادة فرنسا وإيران وخلفهما الولايات المتحدة الأميركية،

وفي قرارهم الرامي إلى إنقاذ لبنان الذي يحبونه بمقدار حبّهم للتّبولة والحمص بطحينة والفلافل،

رموا جانباً فكرة حكومة الاختصاصيين المستقلين،

وابتدعوا، بناءً على نصيحة رئيس الجمهورية ميشال عون الذي أثبت أنّ ليس لديه ما يكفي من وقت للتوجّه الى القمر لاختيار الوزراء،

وخلفه صهره جبران باسيل باني لبنان 2020، بمعايير الحداثة والرعاية والرفاهية والجمال،

والذي سبق أن جال فيه مع ابنه ضمن صفحات كتاب موّلته وزارة الطاقة التي لم تعد فيها أيّ طاقة،

وبدعم كامل من نصر الله الكلّي الطاقة، (ابتدعوا) حكومة إنْ لم تتمكّن من أنْ تملأ سياراتهم بالبنزين

وصيدلياتهم بالدواء وثلاجاتهم بالطعام، يمكنها، بالتأكيد، أن تملأ أيّامهم بالضحك،

على اعتبار أنّ الضحك لا “يلهي الحمار عن عليقه” فحسب،

بل هو أفضل دواء لأيّ داء، أيضاً. (كيف لم ينتبه هكتور لهذا الخط التوفيري،

على الرغم من أنّه أنهى جولته على “نص العالم” وضحّى بزيارة النصف الثاني، بعدما ناداه الواجب؟).

وعليه، جهد الجميع، في الخارج والداخل، في أن يختاروا حكومة تلبّي هذه الغاية “العلاجية”،

فكانت اللجنة الفاحصة تردّ كل مرشح لا يتمتّع بموهبة إضحاك اللبنانيين. أبعدت كثيرين.

حسب البعض أنّ وراء هذا الإبعاد أسباباً سياسية. خسئوا. فقط هناك أهداف كوميدية.

لو أنّ السياسة هي التي تحكم الخيارات لما أبعد الفاحصون، زوجاً هنا وأتوا بزوجته،

وزوجة هناك وأتوا بزوجها، وشخصاً مقرباً من حزب هنالك وأتوا برفيقه.

وبالفعل، ما إن تشكّلت الحكومة حتى حققت أهدافها، فكل يوم هناك “مقلب أهضم من الثاني”.
وهذه “الهضمنة” بدأت تُعدي. رعاة الحكومة أنفسهم يجهدون ليكونوا جزءاً لا يتجزّأ من هذا المسار.

نصر الله، مثلاً، دخل على الخط، فقال إنّه في اختياره مرفأً سورياً لمازوته الإيراني، إنّما يهدف الى

عدم إحراج الدولة. نعم، صدّق أو لا تصدّق، هو قال هذا بـ”عضمة لسانه”.

وقد دبّت الحماسة في بعض المواطنين، فأطلعني صديقي، وهو غارق في قهقهة لم يعرف كيف يضع حدّاً لها،

على تغريدة وطنية مميّزة نشرها أحدهم، حيث كتب: “أنا شمتان بجميع من هاجروا. حسبوا أنّ الحكومة لن تشكّل، وها هي قد تشكّلت”.

كلّ ما أتمنّاه أن توفّق الحكومة في مسعاها الهادف الى إدخال الضحكة الى حياة اللبنانيين،

لأنّه، حينها، سيتظاهر اللبنانيون أمام السرايا الحكومية، ويرجون الرئيس ميقاتي أن يتوجّه الى المطاعم التي كان قد شكا،

في مقابلة تلفزيونية عصماء، حرمانه منها.

Exit mobile version