اللبناني أصبح يحسب ألف حساب لفنجان القهوة.. وداعاً لكرم الضيافة؟!

حوّل”، “ميّل”، “تفضل” كلمات لازمت اللبنانيين تاريخياً في شتى الظروف، وكانت ولا تزال تعبر عن كرم الضيافة والتأهيل والترحيب بالغريب والقريب. أما محور الجلسات التي لا تغيب فهي القهوة الموضوعة دائماً على النار بانتظار الضيف، حتى إذا طالت الأحاديث يستكمل الكلام حول مائدة الطعام التي تفيض عن الحاجة، والقادرة دائماً على إكرام أيّ زائر طارئ.

لكن، خلال العامين الماضيين، تبدّل الكثير من هذه العادات. حتى وباء كورونا لم يحدّ منها كما فعلت الأزمة الاقتصاديّة. تشير جمال، وهي ربة منزل أن “الصبحية مع الجيران جزء من يومياتي، لكن الأزمة غيّرت الكثير. أصبحنا نعمل حساباً لفنجان القهوة بعدما قارب سعر الكيلو الـ 200 ألف ليرة. لم يعد بإمكاني استقبال الجيران يومياً كما درجت العادة. أحياناً نبدّل الأدوار. كل مرة في بيت أحد، لكن حتى هذا الحل لم يعد سهلاً. هنالك خجل يلازم الجميع من الزيارة”.

في حال امتدت الأزمة قد تصبح السلوكيات الجديدة جزءاً من العادات (أرشيف- بلال جاويش)

القلق من الزيارة
كلام جمال، ليس حالة منفصلة. جولة على المتاجر التي تبيع القهوة تظهر ارتفاعاً في الطلب على البن الفلت. يشرح صاحب أحد المتاجر أن “العديد من الزبائن يطلبون بن مطحون بـ5 آلاف ليرة، أو 10 آلاف. كلّ على قدر إمكانياته”. حتى التدفئة أصبحت تدخل في الحسبان في ظل أسعار المحروقات التي “تشوي”. القصص التي يرددها الناس موجعة ورغم أنهم يحاولون قدر المستطاع التستر عليها. عائلات كثيرة تتحدث عن “التقشف في التدفئة”. الكهرباء في أغلب الوقت مقطوعة “أما التدفئة الكهربائية على الموتور فغير واردة. خفضنا الامبيراج وبالكاد تحمل الساعة دفاية واحدة”. يقول أبو الياس أنه وخلال النهار “نخفّف من استهلاك الصوبيا، ومنتقّل لبس”. واقع يستتبع حكماً “القلق من أي زيارة” على ما يقول. “إذا أتى ضيف فأنت مضطر أن تشعل الصوبيا، ولا يمكن أن تفرض على أحد الرحيل أو عدم الإطالة. بتكون قاعد وعم تراقب كل نقطة مازوت”.

هذا من جهة المضيفين، أما الضيوف فحساباتهم لا تقلّ تعقيداً، بخاصة إذا كان سكنهم بعيداً. كلفة البنزين موجعة ويفضل الكثيرون الاحتفاظ بها للمشاوير الطارئة. أما البقلاوة والحلو أو زجاجة المشروبات الكحولية التي اعتاد الضيوف إحضارها معهم فبعيدة من متناول الجيبة.

الأطفال هم الأكثر تأثراً لجهة حرمانهم من الكثير من الخدمات التي اعتادوا عليها

الأفراح والأتراح
حتى بعض العادات “المقدسة” في مجتمعاتنا كالمشاركة في الأفراح والأحزان تأثرت بالأزمة. باتت الأفراح قائمة على الحفلات الصغيرة والمحدودة العدد. أما الأتراح فالحلّ الذي أنتجه فيروس كورونا كأخذ الخاطر عبر الاتصال بالهاتف أو الواتساب لا يزال رائجاً وبكثرة ولكن بسبب الأزمة الاقتصاديّة.

يشرح أبونا طوني أن “مشاركة الناس في التعزية تراجعت بشكل ملحوظ وفي مختلف الرعايا. قبل ارتفاع أسعار المحروقات بشكل كبير ظلت المشاركة عالية رغم فيروس كورونا حيث كان المعزّون يلتزمون بالكمامة والتباعد. الوضع تبدل وبخاصة بالنسبة للمعزّين الذين يسكنون بعيداً. أغلب الحضور بات يقتصر على سكان البلدة القاطنين فيها. البقية يفضلون الاتصال أو القيام بواجب العزاء في وقت لاحق حين يكون لديهم مشوار صوب البلدة”.

تغيّر على المدى الطويل
هل يمكن أن ينتج من الأزمة على المدى الطويل تحوّلاً في عادات اللبنانيين، وأن يصبحوا شعباً أقل كرماً أو ضيافةً؟

يشرح الباحث الاجتماعي والأستاذ في معهد العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللبنانية عبدالله محي الدين أنه يجب التمييز بين “القيم والسلوكيات. الكرم على سبيل المثال قيمة يعبر عنها من خلال سلوكيات معيّنة. عدم وجود القدرة الماديّة لا يلغي الكرم كقيمة اجتماعيّة، والذي يمكن التعبير عنه حينها بسلوكيات غير مادية كالعونة التي لطالما كانت رائجة في مجتمعنا”. لكن يجدر الانتباه إلى أن مدى استمرار الأزمة زمنياً قد تنتج منه تبدّلات جذرية، غير مرحلية في العادات والسلوكيات “في حال امتدت الأزمة لسنوات طويلة، أي أكثر من عام وعامين، يمكن أن تصبح السلوكيات الجديدة جزءاً من العادات كعدم دعوة الضيوف، التخفيف من الولائم، الحد من كمية ونوعية الطعام والشراب المقدم على الموائد. لكن التأثير الأكبر يبقى على النواحي الاستهلاكية من العلاقات الاجتماعيّة”.

ويلفت محي الدين إلى أن “التأثير على الأطفال هو الأكبر. من جهة سيشعرون بأنهم لم يعيشوا طفولتهم كما يجب بسبب اضطرار الأهل إلى حرمانهم من الكثير من السلع والخدمات التي كانوا يوفّرونها لهم سابقاً، وأيضاً من حيث سلوكياتهم كالحرص الزائد على أغراضهم وعدم التنازل عنها بسهولة، كونهم سيدركون أن أي شيء قد يفقدونه سيصبح من الصعب أن يعوّضوه لاحقاً”.

Exit mobile version