مذكرة توقيف سلامة… “لعبة الكباش” الداخلية والخارجية ستقوى!

التخبُّط هو سيِّد الموقف في لبنان منذ أن أصدرتِ القاضيةُ الفرنسيةُ أود بوريزي في السادس عشر من أيار الحالي مذكرة توقيف دولية بحقّ حاكم «البنك المركزي» رياض سلامة لتخلُّفه عن المثول أمامها في باريس، وهي المكلَّفة بالتحقيق في أموال وممتلكات الحاكم في أوروبا بفعل شبهات استغلال الوظيفة لإثراء غير مشروع خلال تولّيه الحاكمية منذ عقود ثلاثة.

المسار القضائي ضد سلامة يعود إلى تموز 2021 وتتراوح القيمة المالية للأصول التي يُلاحق بها بين 120 و300 مليون يورو، جرى تجميد بعضها في دول الاتحاد الأوروبي. وسبق أن قامت وفود قضائية أوروبية من ألمانيا، وفرنسا، ولوكسمبورغ، بزيارات ثلاث إلى بيروت حقّقت فيها مع سلامة، وشقيقه رجا، ومساعدته ماريان الحويِّـك، ومع مصرفيين ومسؤولين ماليين في شبهات بتحويل ملايين الدولارات إلى مصارف أوروبية لمصلحة الحاكم عبر «مخططٍ ماليّ احتياليّ مُعقّد» وفق توصيف وكالة الصحافة الفرنسية. وضربَ القضاءُ الفرنسي في آذار ضَربَته بتوقيف رئيس مجلس إدارة «بنك الموارد» المصرفيّ مروان خير الدين خلال مروره في الأراضي الفرنسية واستجوابه للاشتباه في اشتراكه بتآمر جنائي وغسل أموال من خلال السماح لسلامة بتحويلات مالية غير منتظمة عبر البنك الذي يملكه، ووجَّه اتهاماً رسمياً له بـ«تكوين جماعة إجرامية تهدف خصوصاً إلى اختلاس أموال عامة من قبل موظّف عمومي على حساب الدولة اللبنانية» قبل أن تسمح له بمغادرة الأراضي الفرنسية بكفالة مالية وتعهُّد بالحضور فور طلبه.


تَحَـرُّك القضاء الأوروبي يقتصرُ فعلياً على كيفية تضخّم ثروة سلامة في أوروبا، ولا يتناولُ من قريب أو بعيد كيف تبخّرت قرابة 60 مليار دولار هي ودائع اللبنانيين وغير اللبنانيين في المصارف اللبنانية التي مُنعوا من الوصول إليها في ما سيدوّنه التاريخ على أنه «سرقة العصر» بالتكافل والتضامن بين الدولة، و«البنك المركزي» والطبقة السياسية الحاكمة، والأخطبوط المصرفي. ما ينتظره المودعون هو أن يؤدي سقوط سلامة إلى كشف كل المتورّطين في تبديد أموال الناس وفي السرقات العامة والضالعين في الفساد الممنهج. فلا تضيع المحاسبة إذا كانت الودائع قد ضاعت. على أن ذلك يبقى في إطار الآمال ما دامت الكلمة ستبقى بيد القضاء اللبناني الذي يُشكِّل «مظلة حماية» لسلامة، وإنْ ادعى عليه، فلن يسلّمه طالما «القانون اللبناني لا يُجيز تسليم مواطن إلى بلد آخر».

يضع الحاكمُ ما يجري في خانة تقديم «كبش فداء». فالأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في عام 2019 ورجَّح تقرير البنك الدولي أن تُصنَّف كأحد أشد ثلاث أزمات على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، لا بدَّ من أن يتحمَّلَ أحدٌ مسؤوليتها. هو في آخر إطلالة تلفزيونية له، سأل: لماذا لا يبدأ القضاء بملاحقة السياسيين الذين لديهم أحزاب، قبل أن يلاحقه هو؟ وكأنه يقول: «أنا لست لوحدي إنما هناك شركاء لي، فإما أن ننجو كلنا وإما نسقط كلنا!».

ما إن صدرت مذكرة التوقيف حتى خرجت في بيروت مطالبات للحاكم بالتنحّي أو الاستقالة وإلاّ الإقالة. من الدعوات السياسية ما ينطلق من ضرورات المصلحة اللبنانية، ومنها ما يحمل في طياته توظيفاً شعبوياً وسياسياً وتصفية حسابات على غرار «التيار الوطني الحر»، الذي كان تجديده لسلامة جزءاً من «اتفاق التسوية الرئاسية» الذي جاء بزعيم «التيار» ميشال عون رئيساً للجمهورية، فيما يتحفّظ حُماة الحاكم في المنظومة السياسية الحاكمة على أي إجراء مهما كانت طبيعته. وفي مقدمة هؤلاء المتحفّظين رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي و«الثنائي الشيعي»، حيث يجلس رئيس «حركة أمل» نبيه بري على عرش رئاسة البرلمان منذ عقود ثلاثة، ويُعد الرجل الممسك بالنظام يشاطره بذلك الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، الذي يُطبِق على القرار اللبناني بفعل سلاح حزبه الذي أضحى قوة عسكرية إقليمية ويقود دويلة ضمن الدولة، وقد تمدّدت خارجها إلى دول «المحور». حسب المعلومات، فإن بحثاً في الكواليس جرى حول التمديد للحاكم قبل أن تنتهي ولايته في آخر تموز/يوليو المقبل، لفترة ستة أشهر، بانتظار أن تنضجَ التسوية حول انتخاب رئيس للجمهورية، فيبدأ العهدُ بتعيين حاكم جديد لا يتحمَّل تبعات حاكم مُعيَّن في مرحلة الفراغ الرئاسي من قبل حكومة تصريف أعمال عليها أن تُمارس صلاحياتها في الإطار الضيِّق والضروري. أضحى هذا الأمر خارج النقاش بعد الانكشاف القضائي لسلامة ولا سيما دولياً.


ينصُّ قانون النقد والتسليف في مادته الـ25 على أنه في «حال شغور منصب الحاكم، يتولّى نائب الحاكم الأول مهام الحاكم ريثما يُعيَّن حاكم جديد»، لكن ثنائي «أمل» – «حزب الله» كان قد أعرب عن عدم رغبته في أن تتلقّف طائفته «كرة النار» ما دام وزير المال شيعياً، والنائب الأول للحاكم شيعي، على الرغم من القناعة السائدة في أوساط عدّة بأن النائب الأول وسيم منصوري هو رجل قانون ذو كفاءة. وتُجيز المادة 27 من القانون أن يحلَّ النائب الثاني محلّ النائب الأول، إذا تعذّر وجوده في حال غياب الحاكم.

على أن النائب السابق لحاكم مصرف لبنان غسان عيّاش صرَّح لصحيفة «الجمهورية» اللبنانية أنه «في حال سُدَّت كل هذه الأبواب ولم يُعيَّن حاكم جديد وتعذَّر تسليم الحاكمية إلى أحد نائبيه، فإن ذلك يكون وليد رغبة في مكان ما لتعطيل «مصرف لبنان» أسوة بتعطيل رئاسة الجمهورية، والحكومة، ومجلس النواب. وفي هذه الحالة ستسود فوضى كبيرة في سوق النقد وفي المجال المصرفي، لأنّ لا أحد يستطيع الحلول محلّ «مصرف لبنان» في الوظائف التي أناطها به قانون النقد والتسليف. هذا الاحتمال يُشبه «نهاية العالم» ويكشف نيّة شيطانية لتصفية الجمهورية اللبنانية».

هل نحن أمام هذا «السيناريو»؟ من الصعب توقُّع ما ينتظر لبنان الذي تديره طبقة سياسية تقفز فوق الدستور وتُعطل الاستحقاقات وتخطف البلاد كورقة تُستخدم على طاولة المقايضات الإقليمية والدولية، طبقة تنطلق من حسابات طائفية ومصلحية لا وطنية، تُقامر بالبلاد والعباد، ولا تأبه لكل التحذيرات الخارجية التي تدقُّ ناقوس الخطر، وتقول التقارير الدولية إن لبنان على شفير السقوط الحر والانهيار الشامل.


في كتاب إلى مجلس الوزراء، طالب نائب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعادة الشامي، الذي يرأس لجنة التفاوض مع صندوق النقد الدولي بإدراج مسألة الحاكم القضائية على جدول أعمال مجلس الوزراء، وعدم التغاضي عن هذا الموضوع وكأنّ شيئاً لم يكن، لما لذلك من وقع وارتدادات على السياسة النقدية، والقطاع المصرفي، وعملية الإصلاح الاقتصادي بشكل عام.

الشامي الخبير في السياسات المالية، والذي أمضى عقدين من الزمن في صندوق النقد الدولي، مِن القائلين بوجوب تنحّي سلامة أو استقالته وإلا إقالته فوراً، يرى «أن صدور مذكرة توقيف دولية بحق الحاكم ليس تفصيلاً بسيطاً، لأنه سينعكس حتماً على كيفية تعامل المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي والبنوك المراسلة مع «المصرف المركزي» ومع لبنان، حتى ولو لم تكن هناك مقاطعة رسمية ومطلقة حتى الآن. وبالتالي، من غير الممكن أو المعهود أن يبقى مدَّعى عليه بجرائم مالية شتّى في عدة بلدان يُمارس صلاحياته بشكل عادي. فحاكم «البنك المركزي» يجب أن يكون فوق أي شبهة مهما كانت صغيرة، فكيف بالحريّ إذا كانت بهذا الحجم المتداول وفي ظل أزمة اقتصادية عميقة ومتعددة الوجوه، خاصة وأنه هو المسؤول الأول في الجمهورية اللبنانية عن العلاقة مع صندوق النقد الدولي والتواصل مع مؤسسات مالية وإقليمية متعددة، والسؤال: هل نحن بحاجة إلى تعقيدات إضافية أم إلى مزيد من بناء الثقة والمصداقية»؟


استجاب ميقاتي للطلب، فكان هذا الموضوع على طاولة مجلس الوزراء في السادس والعشرين من أيار الحالي، الذي أَوْكَـلَ إلى وزير المالية يوسف الخليل – الرافض لإقالة سلامة – رفع تقرير يُبيِّن فيه تداعيات الملاحقات الخارجية على أداء سلامة وانعكاس ذلك على مهام «البنك المركزي»، وكلّفت وزير العدل هنري خوري – المُطالب والمؤيِّد للإقالة – تقديم الرأي القانوني المناسب. ما خرجت به مقررات الجلسة يشي بأن الحكومة لا تعتزم سوى شراء الوقت. هذا هو الجو السائد راهناً، ولا سيما أن حلفاء المحور السوري – الإيراني يحاولون الضغط في اتجاه تمرير مرشحهم سليمان فرنجية على وقع الزخم الذي أحدثه الاتفاق الإيراني – السعودي والتطبيع السعودي مع سوريا. يُراهن «حزب الله» على «مقايضة» تُوصِل مرشّحه إلى سدة الرئاسة، فيكرِّس للمرة الثانية أنه الممسك بناصية القرار، وأن نصر الله هو «مرشد الجمهورية اللبنانية». يهمسُ لصيقون بـ«المحور» أن في يد «حزب الله»، عرَّاب الحوثيين في اليمن، ما يمكن أن يقدّمه لإراحة المملكة في ملف اليمن، وأنه عملياً القادر على تقديم الضمانات للرياض في الساحة اليمنية كما الساحة اللبنانية.

على المقلَب القضائي الفرنسي، فإن ما يحصل يتمُّ – وفق مطّلعين على أجواء باريس – بمعزل عن توجهات إدارة إيمانويل ماكرون المنخرطة في تسوية تُريح «حزب الله»، لا بل إنه يتناقض مع رؤية الإليزيه. يرى هؤلاء أن ضغط القضاءين الفرنسي والأوروبي حيال سلامة يتقاطع مع الضغط الأمريكي الذي يتّجه نحو التصلّب في ما خص مسار التسويات الذي تنخرط فيه إيران والسعودية في المنطقة، ولا سيما في سوريا، وتوقّع أن ينسحب إلى لبنان. يتلاقى مناخ التشدّد الأمريكي مع اتجاهات مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي اجتمعت في البحرين وسرَّبت أنها تتّجه إلى إدراج لبنان على «اللائحة الرمادية» في إطار تقييم نظام مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب اللبناني. تقرير التقييم المتبادل للجمهورية اللبنانية ستعلنه مجموعة العمل المالي في شهر حزيران/يونيو، بحسب هيئة التحقيق الخاصة في «مصرف لبنان» التي قالت انها سترد على التقرير ببيان رسمي، لكنها اعتبرت أن تقرير لبنان يُحدِّد الثغرات التي يتوجب معالجتها، كذلك سيبيّن الجوانب الإيجابية في نظام مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في لبنان. وعليه، سيتوجب على لبنان اتخاذ الإجراءات التصحيحية لمعالجة الثغرات المحددة، على أن يُقدِّم لمجموعة العمل تقرير متابعة خلال العام 2024. سواء أكانت ثمّة «فترة سماح» أم جرى إدراج لبنان على «اللائحة الرمادية»، فذلك تتمّ قراءته في إطار استكمال الضغوط على النظام المالي والمصرفي الذي طوَّعه تحالف السلطة والسلاح في خدمته، قبل أن يتمادى في استخدامه في عمليات تبييض الأموال بعدما أضحى الاقتصاد اللبناني «مدولراً» والتعامل به يتم بـ«الكاش» من دون أن يَمرَّ بـ«عملية تدقيق بنكيّ».


«لعبة الكباش» الداخلية والخارجية ستقوى في الأشهر المقبلة من سنة 2023 التي ينظر إليها كثيرون على أنها سنةٌ مصريةٌ ستحدّد ما إذا كان الاتجاه الدولي يسير باتجاه إنقاذ لبنان أم تركه ينهار كلياً.

رلى موفَّق – القدس العربي

Exit mobile version