فقد بصره بسبب المفرقعات

فقد بصره بسبب المفرقعات

ثوانٍ كانت كفيلة لتقلب حياة الشاب نضال عصام بو مرعي رأساً على عقب، ثوانٍ كانت كفيلة كي يفقد بصره ويُحرم من رؤية ألوان الحياة بعد أن انطفأت عيناه إلى الأبد نتيجة المفرقعات النارية.

هل نحن حقاً في حاجة إلى المفرقعات لتكتمل فرحتنا؟ هل الرصاص وحده كفيل في نقل ابتهاجنا؟ في الأمس أُصيبت ابنة السبع سنوات برصاصة طائشة جعلتها معلّقة بين الحياة والموت، بسبب الاحتفال بعد نتائج الامتحانات، ومنذ أسبوع تقريباً يرقد نضال في مستشفى الجامعة الأميركية بعد أن انفجرت المفرقعات في وجهه أثناء تجهيزه لحفلة زفاف.

ليس جائزاً أن نعتاد على هذه الأخبار، من غير المسموح أن نقبل بنقلها بهذه البساطة من دون المطالبة بوضع حدّ فوريّ وسريع لكلّ هذه الانتهاكات والسلوكيات غير القانونية التي تهدّد حياة الناس وتعبث بأرواحهم؟

لم تخطئ قريبة نضال عندما كتبت على صفحتها على “الفايسبوك” العبارة الآتية: “لماذا أصبحت المفرقعات ضرورة حتمية لاكتمال الأفراح أو حتّى الأتراح؟ صوتها قويّ يذكّر بصوت الحرب. نارها حارقة وتذكّر بنار الحرب”.

لكن في لبنان، التمنّي شيء والواقع شيء آخر تماماً. ورغم إصدار وزارة الداخلية والبلديات تعميماً في العام 2012 يتعلّق بوجوب التشدّد في منع استعمال الألعاب النارية المعروفة بالمفرقعات، وتنظيم آلية استعمال الأسهم النارية والتقيّد بشروط استخدامها، فإنّ الممارسات الفاضحة والفوضى الحاصلة في استخدامها تكشف خطورة كبيرة وسط جهل مخيف.

تروي قريبة نضال الدكتورة حبّوبة عون تفاصيل هذه الحادثة المؤلمة التي ألمّت به، تعترف أنّ “الألم كبير ووجع الخسارة لا يُضاهيه وجع، فما جرى صادم وقاس، خصوصاً أنّ نضال معيل العائلة بعد وفاة والده بالسرطان منذ 3 سنوات. هو الذي يعمل في السلك العسكريّ نهاراً بالإضافة إلى عمله مع متعهّد حفلات حتى يتمكّن من إعالة والدته وشقيقته.

كان في استراحة عندما استدعوه للكشف على المفرقعات التي لا تعمل، ذهب ليتفقّدها ووقعت الكارثة. ما إن اقترب منها حتّى انفجرت في وجهه. وتؤكّد عون أنّ “الأضرار الجسيمة طالت عينيه وتسبّبت في فقدان بصره بشكل كامل. ليس سهلاً على شابّ أن يتقبل هذه النتيجة، لحظات كانت كفيلة في أن تحوّل نظره إلى سواد وتسرق منه الفرحة.”

وبينما كان على نضال أن يلمّ أوجاعه، كان على العائلة إيجاد مستشفى تستقبل حالته. وفق عون “لم تستقبله 4 مستشفيات لأسباب مختلفة، بعضها بحجّة عدم القدرة على التعامل مع هذه الحالة، وأخرى لأسباب مجهولة. وبعد رحلة البحث، استقبلت الجامعة الأميركية نضال وهو اليوم يتلقّى العلاج، وضعه النفسيّ صعب ويحتاج إلى دعم نفسيّ وتأهيل.”

من يعوّض على نضال خسارته؟ صرخة تُطلقها عون بحرقة، برأيها أنّنا “في حاجة إلى التأكّد من مدى تنظيمها ومأمونيتها؟ من يراقب جودة الموادّ؟ من يعاقب على نتائجها الكارثية؟ ما هو القانون المرعيّ الإجراء حولها؟ أسئلة كثيرة ستبقى معلّقة من دون جواب، فيما نحصي عدد الجرحى الذين أصيبوا نتيجة المفرقعات النارية.

تحتّم هذه الحادثة إعادة التذكير بشروط استخدام هذه المفرقعات وكيفية الوقاية من مخاطرها. وفي هذا الصدد، يوضح المكلّف بإدارة مدرسة التدريب على الإنقاذ والإطفاء في الأماكن المغلقة في مقرّ العمليات المركزية في التحويطة ميشال صليبا في حديثه لـ”النهار”، أنّه في تاريخ 20 تموز 2023 تضاعف عدد الحرائق في منطقة البقاع الأوسط أكثر من 60 في المئة وزاد نتيجة استخدام المفرقعات. وعليه، يجب الأخذ في عين الاعتبار بعض العوامل المؤثّرة مثل أوقات الذروة، والحرارة المرتفعة (والتي تخطّت معدّلاتها في هذا التاريخ)، حيث تجعل كلّ الوقود القابل للاشتعال من الأعشاب والأخشاب والأحراج والبلاستيك يتجزّأ إلى أبخرة حرارية، ما يؤدّي إلى جهوزيتها بشكل أكبر وبحرارة أعلى قابلة للاشتعال في حال الوصول إليها من خلال أيّ شرارة ومن ضمنها المفرقعات.”

وانطلاقاً من ذلك، يجب الأخذ بعين الاعتبار بعض المحاذير والشروط التي يجب توفّرها لتقليل مخاطر المفرقعات، سواء على الصعيد البشري (تقليل الضرر الجسديّ)، أو على صعيد الممتلكات وخسارة الثروة النباتيّة.

لذلك يُعدّد صليبا بعض المخاطر التي قد تحدث نتيجة استخدام المفرقعات بطريقة مفرطة أو بطريقة غير آمنة.

قد تستخدم المفرقعات لغرض غير مرجوّ منها، مثل إضافة الزينة، والاحتفالات، وقد تستخدم بطريقة عشوائية للهو أو الإزعاج. وقد ينتج عنها وفق صليبا إصابات وجروح بعضها خطير، خاصّة عند الأطفال الذين يستخدمونها من دون وجود محترف يساعدهم. علماً أنّ هناك مفرقعات خاصّة بالأطفال ومخاطرها أقلّ بكثير.

كما يجب ألّا ننسى أنّ هذه المفرقعات تُسبّب قلقاً للراحة والسمع الذي قد يؤدّي إلى إثارة الرعب عند شريحة كبيرة من المواطنين مثل الأطفال وكبار السنّ والحوامل، أو الأشخاص الذين يعانون من ظروف نفسية قاسية.

كذلك قد تنتج عن بعض المفرقعات الحرائق في أماكن سقوطها أو لحظة إطلاقها.

بالإضافة إلى أنّ استخدام المفرقعات بشكل مفرط يؤدّي إلى تلوّث بيئيّ، لاسيّما في المناطق الحسّاسة والضيّقة.

وبناءً عليه، يقدّم صليبا بعض الإرشادات وأهمّها:

* اختيار المفرقعات الخاصّة بالزينة، والتي توفي بالغرض.

* الانتباه إلى توجيه الأسهم إلى المناطق شبه المعزولة عن الحرائق، أي أن يكون مكان الإطلاق والمجال الذي ستصل إليه مفتوحاً من دون أعشاب وأحراج وغيرها… أو في ساحات معبّدة بالإسمنت والزفت، حتّى في حال بقيت هناك أجزاء مشتعلة ألّا تتسبّب بنشوب حرائق قد تخرج عن السيطرة.

ad

* عدم استخدام المفرقعات في الأماكن المكتظّة والأحياء الضيّقة.

* يجب أن يكون إطلاق الألعاب النارية من قبل أصحاب الخبرة والتمرّس، لأنّ كلّ نوع من المفرقعات يحتّم استخداماً معيّناً ولديه وظيفة خاصّة به.

* أهمية إبعاد الأطفال عن أماكن إطلاق المفرقعات لحمايتهم وتفادي خطر الإصابات. أمّا في حال مشاركة الأطفال، فمن المهمّ اختيار الأنواع المناسبة لهم وفق شهادة المصنع وإرشادهم على الطريقة السليمة لاستخدامها، وأن نكون برفقتهم.

* احترام القوانين الخاصّة بالمفرقعات والمسموح بها، وابلاغ السلطات المعنية في حال أردنا إطلاق المفرقعات وإبلاغ مراكز الإطفاء القريبة كي تكون جاهزة في حال تطوّر الأمور.

* الاحتفاظ بمطافئ صغيرة محمولة في حال أردنا إطلاق المفرقعات، لأنّنا سنكون من الأشخاص الأوائل الذين سيعرفون أين سقطت المفرقعات.
* عدم تخطّي الوقت المحدّد (تحديد التوقيت ساعة الإطلاق والانتهاء)، بعد نيل موافقة الأجهزة الأمنيّة على استخدام المفرقعات. ومن المهمّ التقيّد بتعليمات السلطات المعنية.

* اعتماد الخطّة الوطنية الوقائية لتخفيض نسبة حدوث أيّ طارئ. إنّ اطلاق المفرقعات المتوسطة والكبيرة يجب أن يكون تحت اشراف متمرّسين ومحترفين يملكون رخصاً، ويُسجّل في لبنان تجاوزات عديدة في هذا المجال.

* يجب أن يكون مخزون المفرقعات التي في حوزتنا بعيداً عن نقطة إطلاقها، ووضع كمية قليلة فقط قريبة من مكان الإطلاق، لأنّ حدوث أيّ خلل في الطلقات قد يُسبّب اشتعالاً.

* في حال نشوب الحريق، يجب إبلاغ الدفاع المدني فوراً، وإعطاء التفاصيل الكاملة والدقيقة لمكان الموقع وتفاصيل ما جرى والمسافة التي تفصل نقطة الاشتعال عن نقطة الوصول.

* الإبلاغ عن أيّ إصابات في الأرواح، لأنّ مهمّتنا الحفاظ عليها ومن بعدها الحفاظ على الممتلكات.

* محاولة إطفاء الحريق في الدقائق الأولى حتّى لا يتوسّع ونفقد السيطرة عليه.

النهار

Exit mobile version