“كيلو اللحم إلى 100 دولار”.. إسرائيل تشحذ من “الشتات”!

ليس الخطر العسكري المقبل من الفصائل الفلسطينية وحده ما يتهدّد إسرائيل، وإنّما ثمّة خطر آخر، خفيّ مثل الشبح حتى الآن، بدأ الحديث عنه وربّما يبدأ بالظهور تباعاً، خصوصاً في حال طال أمد الحرب أو توسّعت لتشمل جبهات أخرى.

هذا الخطر هو الخطر النقدي والمالي والاقتصادي الذي بدأت معالمه بالظهور منذ اللحظة الأولى. فقد تراجع سعر صرف الشيكل 3% منذ اليوم الأول لانطلاقة المعارك، مسجّلاً أدنى مستوى له منذ 8 أعوام، وهبطت البورصة الإسرائيلية بنحو 8% في أولى جلساتها مطلع هذا الأسبوع مسجّلة خسارة تصل إلى نحو 20 مليار دولار.

هذا وأعلنت أكثر من 50 شركة طيران في العالم تعليق رحلاتها إلى مطار بن غوريون الذي يغصّ إلى اليوم، على الرغم من الخطر، بالإسرائيليين المتهافتين إلى ترك البلاد، وكان على رأسهم رئيس الحكومة الأسبق يهودا باراك، وهو ما ترك انطباعاً سلبياً عن قدرة الجيش على الردع لدى الداخل الإسرائيلي، خصوصاً أنّه أحد جنرالات الجيش المتقاعدين.

أدّت المعارك أيضاً إلى إغلاق ميناء عسقلان، وأوقفت منشآت النفط التابعة له. وعانت الأسواق من نقص حادّ في المنتجات الاستهلاكية، وارتفعت أسعار السلع الزراعية بشكل مخيف (البندورة والبطاطا، وخصوصاً تلك المستوردة من غزّة)، إذ بلغ سعر كيلو البندورة مثلاً قرابة 4 دولارات، في حين قفز سعر كيلو البطاطا من نحو 3 إلى 10 دولارات دفعة واحدة. ورُجّح أن يقفز كيلو اللحم من 20 أو 25 وصولاً إلى نحو 100 دولار في حال استمرّت الحرب لأيام طويلة، وبقيت البلاد مقطّعة الأوصال مقفلة نتيجة إقفال المعابر الشامل الذي فرضته إسرائيل، وهو ما حدا بفلسطينيّي الضفّة والإسرائيليين عموماً إلى اتّهام رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو بالإنفاق على الحرب من جيوبهم.

منذ أول مخابرة هاتفية جمعت بين الرئيس الأميركي جو بايدن ونتانياهو (3 مخابرات)، طلب الأخير تمويلاً طارئاً من أجل “شراء صواريخ للقبّة الحديدية”، فأعطى بذلك انطباعاً لدى الرأي العامّ بأنّ الوضع النقدي للسلطة الإسرائيلية قد لا يكون على ما يرام.

كشف تفاصيل هذا الطلب موقع “أكسيوس” الأميركي يوم الأحد الفائت، وفي اليوم الذي تلاه بداية الأسبوع اضطرّ المصرف المركزي الإسرائيلي إلى ضخّ قرابة 30 مليار دولار في السوق من أجل السيطرة على تدحرج سعر صرف الشيكل، الذي سارع مساره الهبوطي أمام الدولار بنحو 2.5%، متجاوزاً 3.95 شيكلات للدولار الواحد.

اتّخذ المركزي الإسرائيلي هذا الإجراء بعدما لامس الدولار في السوق 4.2 و4.3 شيكلات بداية المعارك، بينما تشير تقديرات أغلب الخبراء الإسرائيليين إلى أنّ الشيكل قد يستمرّ في التدهور مع استمرار الحرب، وعندها سيتعيّن على “المركزي” الذي يملك 200 مليار دولار من الاحتياطات، ضخّ المزيد من الدولارات في السوق.

أمّا اقتصادياً فيتخوّف الخبراء في إسرائيل من تباطؤ النموّ الذي يرونه واقعاً لا محال، مع استدعاء الجيش نحو 360 ألف إسرائيلي إلى الاحتياط، لأنّ هؤلاء سيُضطرون إلى ترك أعمالهم من أجل الالتحاق بالخدمة، وهذا في نظر الخبراء أنفسهم سيتسبّب بتراجع الصناعات وإضعاف القطاعات المحرّكة للعجلة الاقتصادية، التي بدأت تظهر عليها معالم الوهن منذ اليوم الأول (السبت) لانطلاقة المعارك.

أظهرت المشاهد الآتية من الداخل الإسرائيلي تهافت الناس على الاستهلاك وتخزين السلع، بعدما أصدرت القيادة الداخلية للجيش تعليماتها بتخزين الأطعمة المعلّبة والمياه والأدوية والمشاعل وأجهزة الراديو، فأُفرغت الرفوف في السوبرماركت والبقالة والمتاجر، وخصوصاً من الموادّ الاستهلاكية والخضراوات والفواكه التي ارتفعت أسعارها بشكل خيالي نتيجة نقص الإمدادات وعدم قدرة الموظّفين على بلوغ أماكن عملهم، ونتيجة عجز المزارعين في الجنوب عن الحصاد ونقل البضائع.

لم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، فقد أعلنت مجموعة من الشركات الكبرى إقفال أبوابها “حتى شعار آخر”. فأغلقت مجموعة “إنديتكس” الإسبانية العالمية مؤقّتاً 84 متجراً تابعاً لها، مثل “زارا” و”بول آند بير” و”ماسيمو دوتي” و”بيرشكا” بسبب الحرب، معلنة أنّ متاجرها ستبقى مقفلة حتى إشعار آخر.

إلى ذلك حذّرت سلسلة “إتش إند إم” السويدية، التي تمتلك 20 متجراً في إسرائيل، عملاءها من أنّه “بسبب الوضع الراهن، قد يكون هناك تأخير في مواعيد التسليم” بالنسبة لعمليات الشراء عبر الإنترنت.

من جهتها، أعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية مطلع الأسبوع تعليق الإنتاج مؤقّتاً من حقل غاز “تمار”، والبحث عن مصادر وقود بديلة لتلبية احتياجات السوق الإسرائيلي. لكن أكثر معطى دلالةً على عمق الأزمة التي تمرّ بها إسرائيل هو إقدام الحكومة على إطلاق حملة “سندات الشتات” يوم الثلاثاء من أجل “شحذ” الأموال التي قالت إنّها ستكون لـ”تمويل الحرب ضدّ حماس”.

جاء في تدوينات على مواقع “لينكد إن” و”إنستغرام” و”إكس” أنّ إسرائيل أطلقت “حملة دولية” لجمع الأموال بواسطة السندات للدولة اليهودية التي تخوض حرباً، داعيةً اليهود في العالم إلى الاستثمار فيها “لإمداد الأمّة بالموارد المالية في أحلك ساعاتها”.

قد تكون كلّ هذه الأخبار والمعطيات عاملاً إضافياً، بخلاف العامل العسكري، وربّما يدفع هذا الواقع بنتانياهو وحكومته الوطنية التي شكلها أمس الأوّل مع زعيم المعارضة بيني غانتس، إلى وقف الحرب في حال طالت أكثر من شهر وبقيت “حماس” والفصائل الفلسطينية متماسكة ومحافظة على الوتيرة نفسها من القصف والردّ على القصف.

عماد الشدياق- اساس ميديا

Exit mobile version