المخابرات تتابع عملية خطف وقتل باسكال سليمان والأسئلة تتكاثر

زار قائد الجيش العماد جوزف عون بكركي والتقى البطريرك بشارة الراعي أمس لوضعه في صورة المعطيات شبه المحسومة لظروف مقتل منسّق القوات في جبيل باسكال سليمان ومراحل سحب الجثّة من الداخل السوري، وشكّلت هذه الزيارة محطّة أساسية ضمن مسار التهدئة وتنفيس الاحتقان. دعوة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والراعي إلى “ضبط النفس”، و”أمرُ” سمير جعجع مناصريه بفتح الطرقات، ترافقا مع إجراءات أمنيّة استثنائية ستواكب التشييع “القواتي” الذي يتزامن مع إحياء أيام عيد الفطر.

يُفترض أن يقدّم تشريح جثّة المغدور باسكال سليمان بعد تسلّمها من قبل وفد عسكري من الجيش أمس من مستشفى باسل الأسد الطبّي في حمص معطيات إضافية حول توقيت الوفاة وأسبابها والتحقّق من مدى مطابقتها لأقوال السوريين الأربعة المتّهمين بالتخطيط وتنفيذ الجريمة الشنيعة. فيما تفيد المعلومات أصحاب سوابقبأنّ “القوات” اشترطت وجود طبيب من قبلها ليشارك في عملية تشريح الجثة إلى جانب طبيبين كلّفهما مدّعي عام التمييز القاضي جمال الحجّار، لكن الأخير رفض الأمر.

أصحاب سوابق

جميع هؤلاء، وفق المعطيات، من أصحاب السوابق في سرقة السيارات و”شَحنها” إلى الداخل السوري، واعترفوا بأنّهم لم يكونوا على بيّنة من الهويّة الحزبية للمغدور. وضمن “استراتيجية” العصابات المُعتمدة عادة تمّ ركن سيارة الخاطفين بعد تنفيذ المهمّة في منطقة المينا-طرابلس أمس الأول الإثنين، وهي “هيونداي أكسنت” بلوحة أجنبية (سُرقت من الرابية قبل أيام وفق وزير الداخلية بسام المولوي).

لاحقاً “طبّت” مخابرات الجيش على أحد المنفّذين في فندق في القلمون المدعوّ محمد خ، حيث يعمل هناك ويقيم مع عائلته، عند الخامسة من فجر يوم الإثنين وهو الذي تولّى ركن سيارة “الهيونداي”، فيما قاد الخاطفون الثلاثة سيّارة باسكال سليمان من نوع “أودي”، ووضعوا سليمان داخل صندوق السيارة (لم يُعرف بعد هل توفّي فوراً أو بعد وقت من تنفيذ العملية) متوجّهين صوب الحدود الشمالية باتجاه بلدة حاويك السورية. والخيط الأول الذي قاد مخابرات الجيش إلى توقيف محمد خ. انطلق من رصد الأرقام الخليوية التي تزامن قربها من هاتف سليمان خلال مسار الانتقال إلى الداخل السوري.

قهوة ودخّان وبنزين…

المفارقة أنّ الخاطفين الذين اجتازوا حاجز دير عمار بسيارة باسكال سليمان عمدوا، قبل وصولهم إلى الحدود السورية، إلى التوقّف أكثر من مرّة عند بعض “الكيوسكات” لشراء دخان وقهوة ونسكافيه، وقاموا أيضاً بتعبئة البنزين من إحدى المحطات في ببنين. وقد رصدتهم كاميرات المراقبة حتى بلدة أكروم العكّارية على الحدود.

محاولتا سرقة… والثالثة ثابتة

تؤكّد معطيات “أساس” أنّ الجهد الأمنيّ المشترك بين مخابرات الجيش و”شعبة المعلومات” تركّز في شقّ منه على كاميرات المراقبة التي تبيّن مسار سيّارة الجناة حيث أظهرت محاولتهم “الكسر” على سيارتين بهدف السرقة بفاصل زمني قصير عن سرقة سيارة سليمان، لكنّ سائقيهما تمكّنا من الفرار.

فور توقيف السوري محمد داخل الفندق أفصح عن أسماء شركائه الثلاثة في الجريمة الذين قاموا بدفع المال لتمرير السيارة على الحدود على رأسهم السوري بلال دلّو أحد أبرز رؤساء مافيا سرقة السيارات. لاحقاً نفّذت مخابرات الجيش عملية بواسطة مخبرين لديها قادت إلى توقيف السوريين الثلاثة بالتنسيق مع الأمن السوري.

كما بيّنت التحقيقات الأمنية وجود أرقام هواتف رباعيّة مماثلة لهواتف الأجهزة الأمنية مع الجناة، ولا تزال التحقيقات جارية للقبض على بقية أفراد العصابة وهمّ، وفق معلومات “أساس”، كل من: باسل جعفر، ناجل جعفر، بشار طرادية، أحمد علي نون، نصرالله علي نون. هي عصابة يتواجد أفرادها بشكل أكبر داخل الأراضي السورية وتنسّق لاستلام السيارات المسروقة من العصابات التي تتنقّل داخل المناطق اللبنانية.

في السياق نفسه، تفيد المعطيات بأنّ الفيديو المتداول لسليمان داخل الأراضي السورية في حمص تمّ تصويره من جانب الأمن السوري بعد العثور على الجثّة التي تسلّمها عناصر من مخابرات الجيش.

تصعيد أم احتواء؟

مهما تكشّفت معطيات أمنيّة وجنائية إضافية عن مقتل منسّق القوات في جبيل فإنّ القضية برمّتها باتت أسيرة عدّة وقائع ستأخذها إمّا صوب التصعيد أو الاحتواء التدريجي، تماماً كما يحدث في ملفّات تختلط فيها روائح الحرب الأهلية مع الوساطات المانعة للانفجار الكبير:

– انتقال قضية مقتل باسكال سليمان إلى مستوى أكثر خطورة من جريمة القتل نفسها مع تسليم “القوات اللبنانية”، وقبل انتهاء التحقيقات، باعتبارها جريمة اغتيال سياسي ملمّحاً لمسؤولية الحزب، وما سبق ذلك من مواقف تصعيدية من جانب الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله الذي اتّهم “القوات” و”الكتائب” ومن يدور في فلكهما بأنّهم “أصحاب فتن يبحثون عن الحرب الأهلية”، مع توجيه تحذير شديد اللهجة حيال ترويع أهالي جبيل وكسروان وإرسال رسائل تهديد لهم، “وهذه خطوة خطيرة جدّاً جدّاً”. هنا تفيد المعطيات بأنّ من اللحظة الأولى لشيوع خبر خطف مسؤول القوات في جبيل حصل استنفار صامت بين مسؤولي الحزب وكوادره الناشطة في المنطقة مع صدور تعليمات صارمة بتفادي الاحتكاك.

حصل ذلك مقابل استنفار قوّاتي علني تحوّل إلى “ترند” على مواقع التواصل الاجتماعي لجهة النقل المباشر لتنفيذ القرار بإقفال الطرقات والكشف عن توجّه لتصعيد أكبر بحسب مجريات القضية، وتداول فيديوهات لقواتيّين يحرّضون إسرائيل على القضاء على “الثنائي الشيعي”.

– تشكيك قيادة “القوات” وكوادرها ونوّابها ومؤيّدي جعجع بالرواية الأمنيّة للجيش واعتبارها “فبركات أمنيّة من نسج الخيال لا تنطلي على أحد”. الجيش لم يكشف حتى الآن عن الدوافع الجديّة لهذه الجريمة، وهنا يكمن كلّ الموضوع.

تقول مصادر أمنيّة في هذا السياق: “البيان الأوّليّ للجيش أشار إلى أنّ التحقيقات كشفت أنّ المخطوف قتل أثناء محاولتهم سرقة سيّارته في منطقة جبيل، ثمّ نقلوا جثّته إلى سوريا، وهذا يدلّل على الهدف الحقيقي للعصابة”.

تُذكّر المصادر بأنّ “جبيل تعتبر قبلة لعصابات سرقة السيارات، ومعظمهم من التابعية السورية، وهناك خطّ سير معروف لهذه العصابات وصولاً إلى الداخل السوري. مع ذلك، الصورة الكاملة لما جرى بعد ظهر الأحد لم تكتمل بعد، إذ جاء في اعتراف أحد السوريين أنّ مقاومة سليمان لمحاولة سرقة سيارته دفعت المنفّذ إلى ضربه بكعب المسدس على رأسه، ولو كان الهدف قتله لكان حصل ذلك بطلقة رصاص واحدة”.

– لجوء القوات للمرّة الأولى بعد انتهاء مرحلة تظاهرات 17 تشرين إلى فرض أمر واقع على الأرض وعلى قيادة الجيش التي واكب عناصرها تسكير الشريان الحيويّ لأوتوستراد بيروت-الشمال ومحاصرة مواطنين من بينهم ضبّاط وعسكر وقضاة وأطبّاء داخل سيّاراتهم. وتفيد معلومات “أساس” أنّه بعد الإعلان عن توقيفات طالت سوريين حاولت قيادة الجيش الضغط على رئيس حزب القوات للإيعاز إلى أنصاره بفتح الطرقات، لكنّ الأخير لم يمتثل إلى حين تسريب خبر مقتل سليمان ثمّ صدور بيان الجيش حول حصول تنسيق مع الجهات السورية لتسليم الجثّة. بعدها صدر قرار بفتح الطرقات من قائد معراب.

– لم يكن الأمر يحتاج إلى تنفيذ جريمة قتل باسكال سليمان للتيقّن من حجم خطورة حالة الفلتان السوري التي أخذت راحتها في السنوات الماضية في ارتكاب الجرائم المتتالية من دون رادع. “البيزنس” الإجرامي لهؤلاء يمكن ببساطة وضعه برقبة الحكومات المتعاقبة، بدءاً من حكومة ميقاتي 2011، التي “فاقت” اليوم فقط على خطر النزوح السوري. حتى إنّ القوات اللبنانية، كإحدى القوى الحزبية الأساسية التي “ناضلت” لاستقبال لاجئي المعارضة السورية “لأسباب أمنيّة وإنسانية” واحتضانهم، أطلقت العنان لمحازبيها للاقتصاص من كلّ سوري.

جريمة قتل باسكال سليمان لن تنتهي بتشييعه. مخابرات الجيش اللبناني تواصل عملها وتحقيقاتها، وبالموازاة تتراكم وتتزايد الأسئلة الباحثة عن الإجابات الضائعة.

1- لماذا صُوّرت جثّة باسكال سليمان في سوريا وتمّ توزيعها؟

2- لماذا تعمد عصابة لسرقة السيارات إلى اختطاف جثّة صاحب السيارة المسروقة معها على طريق يصل مداها إلى 200 كيلومتر؟

3- لماذا رُكِنت السيّارة المستعملة بعملية الخطف في طرابلس؟

أسئلة تحتاج إلى أجوبة واضحة لتجنّب فتنة تهدّد الجميع.

المصدر – أساس

Exit mobile version