اقتصاد

الدكاكين تُديّن الزبائن بخمس نجوم فقطالدكاكين

ريتا بولس شهوان – نداء الوطن

يبدو أصحاب الدكاكين كالذين يقامرون بلقمة عيشهم، ورصيدهم ورأسمالهم وعلاقتهم بأبناء الأحياء التي ينتمون إليها. فقد عوّدوا الناس على الخدمة، وفكرة الـ “كنيسة القريبة التي تشفي”. وهذا القرب بينهم وبين أبناء البلدات في السابق، قبل أزمة كورونا والمشاكل الاقتصادية، خلق علاقة مودّة تصل حدود ثقتها إلى إمكان تزويدهم بما يحتاجون إليه وإن كان الدفع يأتي لاحقاً.

أمَّا اليوم، فمن يَرَ كيف تلقّفت “أندره” (صاحبة دكّانة في المتن) فاتورة المولّد الكهربائيّ بقيمة ستّة ملايين ليرة، وكيف يسيّرها الغضب إلى استعجال شتم الطبقة السياسية تحت عباءة أشباح العتمة النصفية التي خيّمت على متجرها، يحسب أنَّ البلد على أبواب حربٍ وشيكةٍ؛ إذ تسمعها تهمهم: “بالحرب لم يكن الوضع شبيهاً بما هو اليوم!”. فبعد خمس سنوات على عملها في هذا الدكّان تبكي بحرقة وحسرة لاضطرارها إلى إقفاله الّذي ستسبقه مرحلة تصفية، وتقليص مصروف الكهرباء عبر التقليل من أعداد البرادات، ومن ثمَّ كمّيّة المنتوجات وأصنافها.

 مفاجأة الفاتورة الباهظة للمولدات منتشرة في مناطق المتن كلّها،

ولكلّ صاحب دكّان طريقته في معايشة الواقع ومحاولة التخفيف من حدّته الموجعة؛ فمن هؤلاء مَنْ اشترى مولّداً كهربائيًاً صغيراً خاصّاً به،

ومنهم من يقفل باكراً فينظم أبناء الحيّ أوقات تبضّعهم حسب وقته،

حتّى كأنَّ الناس في حجر دائم ليس بسبب كورونا فحسب، بل بسبب الأزمة الاقتصادية أيضاً.

يحتار بعض أصحاب الدكاكين كيف سيُفعّلون حركة البيع في الأحياء؛

فهذا “شربل بعينو” (صربا) وجد في عروض الشركات منفذاً له، فهو يستخدم صفحة الفيسبوك ليروّج لها،

ولذلك يرى أنَّ الحالة فرجت – نوعاً ما – على العائلة التي تعيش

من هذا المحلّ الصغير الذي يؤمّن للزّبائن المنتوجات واصلةً إلى باب المنازل مجّاناً على نقيض السوبرماركت الذي يتقاضى

ما يوازي عشرة آلاف ليرة مقابل خدمة التوصيل. فهذا المحلّ الصغير يدخل على خطّ منافسة السوبرماركت

من خلال “اللَّعب” على هامش الربح الضَّئيل؛ لذا يكتفي بزيادة ألف ليرة أو ألفين على سعر الشركة الأساسيّ التي يشتري منها بضاعته،

أمّا السوبرماركت فيُضيف 20 ألفاً ربحاً إن كان سعر المنتج 300 ألف مثلاً.

ولعلّ هذا يُفسّر سرّ استمرار أربعة دكاكين في هذا الحيّ؛ إذ يخبر الجدّ أنطوان إيليا الذي يملك دكّانه منذ 25 عاماً أنَّه يعتمد

استراتيجية بيع الخضار وتوصيلها بسيّارته إلى منازل الزّبائن،

فقد انتعش بيعه في ظلّ مرحلة الحجر بسبب كورونا والأزمة الاقتصادية،

فأصبح محطّ أنظار النساء اللواتي يطلبن بضاعتهنّ من محلّه لأنَّهنَّ يستصعبن التبضّع خوفاً من الوباء في ظلّ عودة انتشاره.

وهذا الفنّ في إدارة الدكاكين لا يملكه الجميع؛ فـ”مخّول” مثلاًً عجز عن تموين متجره الذي يملكه بالبضائع،

فعمد إلى تأجير السّورييّن إيّاه في وقت سابق، قبل أن تتَّخذ البلدية قراراً بإيقاف تأجير الأجانب المحلّات ضمن نطاقها المحلّي،

وهو ما دفعه إلى تحويله دكّاناً. و”مخّول” هو من العمّال المجاهدين ورث من والده سلسلة من المحلّات في صربا.

يعود بالذاكرة إلى مئة عام ليخبر أنّه متجذر في ضيعته؛ إذ يكاد يعرف كلَّ تاريخ العائلات فيها راوياً بطولاته في الحرب اللبنانية،

وكأنَّ دكّانه في عزّ هذه الأزمة هو منصّته السياسية، فلا تكاد تسأله عن أحوال البلد حتّى يفنّد تاريخ كلّ السياسيّين

عائداً بالذاكرة إلى معارك لم يسمع بها أبناء هذا الجيل، وعلى الأرجح لن يفعلوا لكونها تبقى روايات متناقلة بين المحاربين القدامى.

الدين لزبائنVIP أي من يُعرَف أنَّهم سيدفعون في نهاية الشهر، وهم أقلّ من أصابع اليد الواحدة؛ إذ يؤكّد جورج (جبيل) –

الَّذي تخصّص في المحاسبة ويدير دكّان والده – أنَّ هذا النوع من الزبائن يتّجه إلى المنتوجات الغذائية

وفي إطار انتظاره وظيفةً طال أمدها يتسلّى بعَدّ المال الكثير بالليرة اللبنانية من دون أن يعني ذلك أنَّ الربح صار أكثر،

ففي السّابق كان المليون ليرة للمبيع تُقتص منه نسبة أرباح تصل معدّل 700 ألف ليرة، أمّا اليوم، على حدّ توصيفه، فلا تتخطّى الـ 300 ألف.

وليس هذا العائق الوحيد الذي يواجهه صاحب الدكّان يوميًاً،

بل ثمّة زيادة في التكاليف الَّتي يتكبَّد أعباءها من قبيل سعر الأكياس للتوضيب التي تصل نفقتها إلى حدّ المليون ليرة؛

فإن اشترى الزبون – وفق حساباته – ربطة خبز فقط يخسر البائع، إن احتسب نسبة التكاليف الَّتي تُضاف إلى سعر البضاعة الأصليّ.

لذا، فكّر هذا الشاب بالكيفيَّة الَّتي يُوفر على والده، من خلالها، مصروف عامل في المحلّ،

فلجأ هو بنفسه إلى القيام بخدمة “ناولني” أي أن يناول أصحاب السيارات الآتية من الخطّ السريع البضائع الَّتي يطلبونها.

ويتشارك أصحاب المحلّات الامتناعَ عن الدين؛ فـ”نعيمة” (جبيل) لا تُقرض لأنَّ التاجر بدوره لا يديّن،

بل يريد ماله عدًاً ونقداً، يُضاف إلى كلّ ذلك مصروف المحلّ.

وتتحضّر مديرة الدكّان يوميّاً لمفاجأة الأسعار التي تتبدّل وفق سعر الصرف، فحتّى سعر المياه يتغيّر 3 مرات أسبوعياً،

فتحمي نفسها بتعديل هوامش الربح بين المنتوجات، علماً أنَّ مشتريات الزبائن تبدّلت من الكماليات إلى الأساسيات.

وفي اتّصال لـ”نداء الوطن” بمصدر رفيع المستوى في وزارة المالية، يُخبر أنَّ معظم الدكاكين

لا تصرّح بنتيجة أعمالها وفق قانون ضريبة الدخل الذي لا يستثني إلّا البائع المتجوّل،

ومن ثمَّ لا يمكن للدورة الاقتصادية قراءة أرقامها إلّا عندما يتحوّل صاحب الدكان إلى مستهلك بدوره،

وهو ما يفوّت على الدولة اللبنانية فرصة الاستفادة من الاقتصاديّات المحلّيّة،

فتترك مسألة التسعير في ظلّ انعدام مراقبة وزارة الاقتصاد لضمير مالك المحلّ وحده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com